محمد حسين علي الصغير

78

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

في أكثر صفاته ومعانيه ، وبالضد حتى يكون رديء التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به » « 1 » . لهذا فالتشبيه محاولة بلاغية جادة لصقل الشكل وتطوير اللفظ ، ومهمته تقريب المعنى إلى الذهن بتجسيده حيا ، ومن ثم فهو ينقل اللفظ من صورة إلى صورة أخرى على النحو الذي يريده المصور ، فإن أراد صورة متناهية في الجمال والأناقة شبّه الشيء بما هو أرجح منه حسنا ، وإن أراد صورة متداعية في القبح والتفاهة شبه الشيء بما هو أردأ منه صفة . أهمية التشبيه : التشبيه من أصول التصوير البياني ، ومصادر التعبير الفني ، ففيه تتكامل الصور ، وتتدافع المشاهد ، والقدر الجامع لنظرة البلاغيين إلى التشبيه : هو التفنن بإبراز الصورة البلاغية للشكل ، واستقراء دلالتها الحسية ، وذلك عن طريق تسخير قدرة التشبيه الخارقة في تلوين الشكل بظلال مبتكرة وأزياء متنوعة ، لم تقع بحس قبل التشبيه ، ولم تجر بها العادة ، ولا تعريف بداهة ، إلا بلحاظ مجموعة العلاقات الفنية في التشبيه ، وعند ضم بعضها للبعض الآخر تبدو محسوسة متعارفة ذات قوة وصفية متميزة ، وهنا تكمن القدرة الإبداعية للتشبيه في تكييف الصورة . والتشبيه فن أصيل عند العرب ، جرى في كلامهم ، وتناولته أشعارهم ، وابتنت عليه خطبهم ، قال المبرد : « والتشبيه جار في كثير من الكلام - أعني كلام العرب - حتى لو قال قائل إنه أكثر كلامهم لم يبعد » « 2 » . وقد عده السكاكي ( ت : 626 ه ) ركنا من أركان البلاغة لإخراجه الخفي إلى الجلي ، وإدنائه البعيد من القريب ، وإذا مهرت فيه ملكت زمام التدرب في فنون السحر البياني « 3 » . وإذا نظرنا في عصور الأدب المختلفة وجدنا التشبيه أوضح الفنون وأكثرها

--> ( 1 ) الخفاجي ، سر الفصاحة : 290 . ( 2 ) المبرد ، الكامل : 3 / 818 . ( 3 ) ظ : السكاكي ، مفتاح العلوم : 157 .